هذيان!
حِوار العقل والجسد
أشعر بالأغلال تقيدني ,لا
أستطيع الحراك ,ما هذا ما كل هذا الإزدحام ؟ لا أستطيع التصرف
إني محاط بأكوام من
الأفكار, ولا أستطيع تنفيذ أي منها دونما سبب ! ,الأفكار تطوقني غير أني مكبل
بأغلال لم أر مثلها من قبل.
-وكيف يحدث هذا لك ؟
لانزال في بداية الطريق وقد بدأت تهرم ,أم ماذا ؟ ومن يكون ذاك السجان ؟.
-ومن يكون سوى واقع مرير
,وعقول تمنح اليأس لا الأمل, نفثت بالرياح الى شمعتي حتى انطفأت, وبت في ظلمتي أهيم
وأتخبط ,محاط بجدران تقول لا أمل ترددها وبلا كلل ولم أعد أستطيع الإحتمال أكثر !.
صوت حطم أفكار الجسد
.....كم أستغربك وكم تغيظني !.
الجسد : ومن أنت ؟ ومن
تكلم ؟!.
العقل : ها قد جاءني من
لم يكن في الحسبان !.
الجسد : ومن يكون ؟.
عاد وأردف :لا ينطق اسمي
حتى, وكيف وقد أغلق الابواب علي ,ووضع الاغلال في يدي ,لقد وضعني في
حجرة الظلام
,ومنعني من الكلام ,أقفل ابواب الحس لدي ,وجعلني أعيش في برودة الظلام بين الضباب
والمطر.
وفي حيرة ساد الصمت ,صمت
محطم ,صمت يطبق بجدرانه على الحديث , عاد صوت الجسد : لست أفهم ! من أنت؟ ومن تحدث
أيها العقل !.
العقل : إتهامات, لست سوى
أنقذك من كل تلك الترهات, ومن أحاطني يوما وقيدني بأغلال أحلام وثقة بإنسان زائف,
وسيطر علي بأفكار لا تنفع .....لقد أرهقتني والجسد.
فهدر الصوت بنبضه ثانيةً
وأردف قائلا :أتحسبها أغلالا وترهات ؟! الم تكن سعيدا ؟ ومن الذي كان يرهق؟ انا !
ام أنت المتحكم ؟ لست انا الملام على ذاك فأنت من بنى الأحلام
فوق ظهري , أرهقتني فأرهقت الجسد فكلنا متصلون ببعض ونشعر بكل خطب, ثم إترك لي
الحرية حتى أريك وبخفقة مني ما حدث ,دعني أخط ما حبست في البال منذ زمن .
-أفعل ذلك وانا انتظر أفعلها
ولا تَكِل إني أنتظرك .
فخفق خفقته ليرتعش الجسد
مستيقظا ,والعقل يفقد السيطرة,يتحرك الجسد ويستيقظ الفتى وقد إنتفضت العينان وهرب
النعس من ذلك الجسد ,أمسكت اليدان القلم ,والورقة, والقلب يخفق بتسارع شديد ,العرق
يغمر الجسد النحيل ,ورجفة في اليد والفتى لا يعي ما يريد سوى ورقه ,وقلم في اليد
المرتعشة ! .
تمسك اليد بالقلم وتعتصر
منه الدمع الممتزج بالدم ليمطر الورقة بدمائه, واليد ترسم الحروف على الورق ليتمزق
من شدة الحس تكاد تحترق ,تود لو تمزقت قبل أن تسيل الدماء عليها لتحفظ تلك الكلمات
.
كانت الضجة تهيمن بشكل
مريب ,فنبض نبضةً بعثت الأنابيب لتخرج الى العلن ,تضغط الجلد تعلن الغضب والتوتر
الشديد, فتحول الضجيج لصمت مهيب هيمن الصمت ليعود القلب ويتكلم بالغضب الشديد
.....
-اقرأ ,اقرأ ما تخطه اليد
المرتعشة, وكفاك تجهما ما أقدمت على أمر إلا وردعتني ,ما بعثت بأمل في الجسد ,إلا
واحطته بقضبان اليأس
فاردف بصوت خافض بصوت
متمزق مرهق نعم لك الحق في اللوم ولكني أخاف أن تعود التجربة الى الفشل ,وحينها ما
العمل !
القلب وإزداد خفقانه :
ولم لا وما العيب بالفشل ؟ وهل وقفتك مكتوفاً ,متجهماً ستفي بالغرض ؟ هل ستحرز أي
تقدما في كبتك هذا؟ كف عن هذا العمل .
كان الظلام يخيم على
الجسد الهزيل وسط الظلمة وكأنه مجرد دمية بلا حراك فالعقل هائم بلا عمل والقلب
ينبض بإضطراب .
العقل : لا أظن إننا نحل
مشكلتا في هذا الكلام, إنه هذيان بهذيان .
القلب : لا بل أنت لم
تستيقظ منذ زمن ,أستيقظ من الظلمة أشعل تلك الشمعة أشعلها وفك أسري, لقد حطمت الأغلال
ولكنك أحكمت أغلاق الأبواب .
العقل: لك هذا على أن
نعمل بإتفاق لا أحلام فوق السحاب, ولن نعود للإكتئاب كل خطوة لها ألف حساب.
فأردف القلب بهدوء وصوت
الخضوع في نبرته : أعدك بان التزم معك ,ومنذ متى ننفصل عن بعضنا فلا حياة دون إتفاقنا
,ولكن أيها العقل أشعر بالضعف لا أقوى على النبض ألا تشعر بنبضي يخف ......وراح
يتكلم والصوت يضعف ويبتعد .
العقل وبأسى : أيها
القلب, ما بالك لا أفهم خطبك ,لست أستطيع فعل شيء بضعفك لا أستطيع تحريك الجسد !.
القلب : والصوت يبتعد
ويتلاشى في صدى الهدوء : يبدو أن شبح الموت قد أحاطني وما عاد لي من عمل .
العقل وبصوت غضب امتزج
بالحرقة والأسى الآن وقد إتفقنا لقد أضعنا العمر في الخلاف.....وخفت الصوت
ليطبق
الصمت داخل الجسد الذي أصبح جثة هامدة ,في وسط الظلام الحالك ....
العقل يحاول جاهدا أن
يحرك الجسد علَّه يصل الى ذاك الباب ,نعم إنه باب يخرج منه الضوء ضوء ساطع يحاول
التحرك دونما كلل ,ولكن الجسد همس أيها العقل, القلب شارف على التوقف لا أقوى على الحراك,
لا أقوى على العمل ,أشعر بالبرودة ألا تشعربها ؟!.
فأجاب العقل بصوت قد ظهر
عاليا في ذلك الصمت الرهيب : لا لا أشعر ببرد لا لن أشعر به, لازلت أبصر نورا خلف
الباب ,ساعدني حتى نتمكن من الوصول اليه .
فرد الجسد والصوت يبتعد :
تصله!وكيف ستصله ؟وأي ضوء تتحدث عنه ؟ فأنت محاط بأغلالك وجدران الظلمة !.
العقل كفاك الآن ,ولنحاول
للمرة الأخيرة علنا نجد المساعدة خلف الباب ..
نبض القلب بأقصى قوة ,وقد
كانت الأخيرة ,وإستنفذ الجسد طاقة الحراك ماداً اليد لتضرب أطراف الاصابع الباب
معلنا بداية إنتهاء رحلته في بحر الحياة ....
فاذا بصوت العقل يحطم
الصمت المميت ..... أسمعها تتكلم أسمعها إنها تلك تلك الوحيدة التي إستحقت خفقاتك
,تلك تناديني وتتساءل ما بالك أسمع صرخاتها ,تصلني أحاسيس يديها على الجسد البارد
,أشعر بخفقات قلبها ...
القلب,وقد علا صوته : أشعر
بها, أشعر بخفقات دافئة, ليتني أستطيع أن أستمد القوة منها ..
ثم أضاف :أشعر بقوتي
تزداد ,أشعر بها تمدني بطاقاتها, ذاك الصوت ,ذاك الصوت ياله من صوت يبعث بي الحياة
من جديد .
نبض القلب بضربات أقوى,
وهربت دمعات من بين قضبان الجفون المغلقة ,تتدحرج لتصل الى يدها فتصرخ أنه على قيد
الحياة ....وراحت تكررها مراراً..
فأردف صوت: فلننقله الى
مستشفى قريب......
أسمع صوت صراخها ,وصوته
الحزين يهدئ من روعها ,وصوت كلام أصبح كالهذيان يتهافت دون إن أفهمه, فقط صوتهما
يتردد إني أشعر بالطفولة تعود إلي ,ماذا يحدث؟ إنهما بجانبي أتشعر بهما ؟.
القلب : أشعر بالدفيء ,أشعر
بالحنان وهو يطوقني ,لم أشعر به منذ فتره ولكن أتشعر بالذي يضمني الآن؟ ويطوقنا
اكثر يضم ثلاثتنا أتشعر به ؟ .
فأردف العقل بحزن : بلى أشعر
به ,وكيف لي إن لا أشعر به....
أردف الجسد بكلمات متقطعة
: يا لها ...يا لها من أحاسيس, أشعرتني بدفئهما وبدفئهم معا ,لقد حطمني التعب
داخلي ,ولكني أيها العقل أشعر ....بأن شيء أختلف علي, شعرت بالدفء يطوقني والآن أشعر
بالبرد ! .
العقل : قد دخلنا المشفى
,إن لم يخب ظني المكان البارد بأطبائه أولئك الذين إعتادت قلوبهم الحبس في الظلمة
إلاِّ
من رحم ربي فلنأمل الخير أسمع صوت ذلك الصفير المتقطع ,أنه وصف نبضك أيها القلب .
القلب : آمل أن نتعافى
ونعود الى الأهل .
العقل : فلنبقي على أملنا
وإذا تعافيت فاني أعدك بأن القي بمشاعري على الورق فنبقى في صفاء البال ........ما
الذي أسمع؟ أنهم سجانوا القلوب حكموا على أمري حكموا علي بالختم المحتم ,ليس بعد
,ليس بعد لازلت مستيقظا وسأوقظهم, لاااااا.......تردد الصدى وتردد...
إنتظروا ,هذا صراخهم
ماهذه الحمم الحارة ترتطم بجسدي؟ إنها تنهال كالمطر ,وتلك الصرخات المفعمة بالألم
,أهذا كله لأجلي؟ ليتك يا قلب تستفق وتشعر بما أسمع و أرتئي .
صوت خرج وصدح وسط هذه الأصوات
سيطر عليها قائلا ... أيها العقل, قد سمعت حواركم كله وليس لديك سوى أن تسمع ما
حدث لك ,فانت لا تعي جيدا ما حدث ,وما يحدث فأغلب ما رأيت وما سمعت ,كان محظ
اختلاق منك إنه أنت في الباطن إنه الجزء الذي عجز العلماء عن فهمه إنه الجزء الذي
يفعل أي شيء لإ بقاء القلب يعمل.
العقل وبصوت خافت وما عاد
يفهم : ومن أنت ؟ومن تكون؟ وما الذي حدث ؟
فأردف الصوت : انا الروح
التي تمسك هذا الجسد, وتمسك بكم ,انا هي الهبة فيكم أوهبكم الله إياي لتتحركوا
وتشعروا وتتخيلوا ....
ثم أضاف أما ما حدث ,فقد تلقيت الرصاص الحار المغلف
بالحقد الأسود المشتعل, خرقت أطراف جسدك ومزقت بعض الأعضاء التي لم تسمع منها
كلاما, نعم لقد مزقت الجسد وبات الجسد أشبه بالجيفة....
فقاطعه العقل : أأنت تهذي
؟ او أنت تهذين أياً كنت ؟ .....
وكيف هذا لقد كنت أحدث
الجسد منذ ثوان ولم أشعر بالتمزق أبد !.
فأردف صوت الروح : لازلت أقول
لك ,أنت تهرب الى باطنك تختبئ من أحاسيسك تنسج الوهم لتبقي القلب يعمل بلا كلل
مهما ضعف ! ......
كل هذا النقاش والكلام
ليس سوى فيك أنت, أنت تكلم نفسك منذ ساعات والقلب ضعف صوته لم يكن يكلمك ,بل أنت
من شعر بضعفه ,وتكلم نفسك لتخبرها بأن
الدم راح ينفذ بعد النزف الطويل .
وذاك الباب كان ذاكرتك التي أغلقت عليها والتي إحتوت
أحنّ الأشياء الى قلبك ,فعاد يقاطعه وما هي المشاعر التي شعرت بها وأشعر بها ؟
فأردفت الروح :نعم تلك
المشاعر بعد فتحك الباب لم تكن واقعا ,بل ذكريات مشاعر حبستها داخل القلب حتى لا
تحذفها وتنساها .وأما شعورك الآن ,هو حقيقي وواقع إنها الحمم تنسكب من أحنّ إثنين
عليك وثالثهم ذلك الدفء الذي يضمك بين ذراعيه فهووطنك ,وأرضك التي تشربت دمائك
لتحفظ أنك دافعت عنها وصمدت ,حتى أتوا واقتلعوك من عليها برصاصهم الذي مزق جسدك .أما
هي فما كان منها سوى إن تحتضنك وتمدك بالدفيء الذي إكتسبته من الشمس المشرقة عليها
في ظل الاحتلال .
العقل : أكل هذا ؟ ....لا
يعقل ما الذي يحدث ؟ أتقول إني لم أكن أتخيل سماع صوت الجهاز يعلن الموت في
القلب
و أولئك يعلنون ساعة وفاتي ؟
الروح : لا لا وقد صدقت
قولك بأنهم حبسة القلوب فلم تكن قد مت بعد بل سحبت عنك الأجهزة بسبب ضعف النبض.ولم
لا ,فهم لا يتقاضون الأجر الكافي على إبقائك لديهم ,إنه الطمع والجشع فهناك غيرك
قد يجنون المال منه اكثر ,او بسبب والوساطة كما
تعلم ...
والآن دعني أعود لأحيي ما
تبقى, فقد تعود للحياة وقلبك ينبض بقوة وتأتيك الرحمة من حيث لا تحتسب .....
عم الصمت مرة أخرى للحظات
حتى عاد ذاك الصوت, صوت الطبل الذي سرق سمع بقية الأعضاء لتهم بالعمل فجأة ,والعقل
عاد لينشط ,ويخرج من الباطن المختبئ فيه ,ويفتح العينين ليرى الحب يطوقه ,ويهمس
بصوت مرهق أبت أبتي, أمي إخوتي, لقد عدت لأراكم ,وإنزلقت الدموع على الخد الأصفر
وقد هربت من بين تجاعيد العيون المرهقة...
وقفزت الدموع الحارة,
قفزت لتضرب بيد الأب الذي كان ممسكا بحافه السرير, سرير المشفى المميت فما أن وصلت
إلي يده حتى أنتفض ورفع رأسه ليرى فتاه قد فتح عيناه وصدره يتحرك.... والأم شعرت
بقلبها يخفق ضربا, والعقل يضرب صواعقا, إنهضي إنه حي إنهضي ..., إنه حي صدح صوتها
في المشفى , تدافع الاطباء ومن في المشفى .
وتسمروا فوقه ,وبنظرات إستغراب,
وإستحقار لأنفسهم في وقت واحد وسارعوا لإسعافه ,بعد ان تلقوا الصدمة ,تلك الصدمة
التي حطمت الأغلال السوداء في القلوب, فصدحت لتقول : كم رأينا من الموت فلم نقسُ
,بل لازلنا نحِنّ على كل مريض.
ابتلعت الأرض دماءه
,ودماء من إستشهد في ذلك اليوم في مجزرة بلا مبرر كغيرها من المجازر ولم لا ,فهو
دم رخيص ,لدى عائلة الأم التي نبذها إخوتها ,يتصدقون عليها بإنكار وتنديد لا يغني
ولا يسمن من جوع ,وقد تلقي بقليل من الأموال عليها وتقول: ها نحن نضمد جراحك .وإنما
هم يداوون ما بقي من ضمير في قلوب مكبلة بل حبيسة آبار الظلام .
نعم إبتلعت تلك الدماء
ودفعت بها بعروق الزيتون, بعروق الغرس الصغير بعروق التين ,بعروق كل شجرة لتسجل
تاريخ فلسطين تلك الفتاة الحزينة ,التي تفرقت بها السبل وضاعت في محيط الخيانة وعواصف
الهجر في كل حين ,بقيت هي ,وأشجارها ,وأبناؤها في وجه العاصفة يتحدونها بالثبات
الى يوم الدين .
للتواصل :
l.masoud2012@gmail.com
للتواصل :
l.masoud2012@gmail.com

No comments:
Post a Comment